You are here

التحشيد الجديد للمرأة ومراحل الانتشار في الدولة والمنطقة

أوراق بحثية
TitleDownload
اتجاهات الحراك النسوي في ظل ثورات الربيع العربيلتحميل الورقة
فاعلية المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية في ظل السلطة الوطنية الفلسطينية وأثرها على حقوق المرأة لتحميل الورقة
 
مقدمة 
 هدى الصدى - مؤطرة في برنامج دعم البحث العربي
 
بدأت قضية المرأة والمطالبة بحقوقها تثار في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وتزامن ذلك مع قضية تحديث المجتمع عموما. ونمت علاقة وثيقة ما بين تحسين وضع المرأة ونهوض مفهوم "الأمة"، جنبا الى جنب مع الأعمال التي نشرت حول العلاقة بين تحرير المرأة والتحرر من الاستعمار. في تلك الفترة، كان مفهوم المجتمع الحديث مرتبطا بمفهوم المجتمعات الغربية التي كانت قائمة آنذاك. وقد اعتمد معظم رواد الإصلاح الأوائل، على اختلاف مشاربهم الفكرية (ليبرالية أو إسلامية)، الصورة الأولية للحداثة، وتقبّلوا فكرة النظام الثنائي. ورغم اختلافهم أحيانا حول مسألة الحداثة، فقد اتفقوا على تحويل المرأة إلى رمز لخصوصية الثقافة العربية، ما جعلها تحمل بذلك عبء الهوية "المهددة". أما النساء فقد تحمّلن بدورهن مسؤولية الحفاظ على كل من المعاصرة والتقليدية.
 
وفي هذا السياق الفكري، تفاوت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الخطاب حول قضية المرأة، وغدا منحى رئيسا في القضية الأشمل، وهي تحديث المجتمع ونهوض الأمة. واعتمد الرواد من النساء والرجال خطابا متحررا سعى إلى تشجيع المرأة على الانخراط في الحيِّز العام، رغم استمرار العلاقات غير المتكافئة بين الجنسين، ولا سيما في الحياة الخاصة. وجرى التشديد على ضرورة تعليم المرأة ومساهمتها في سوق العمل، بينما دُبِّجت في الوقت نفسه المقالات في تمجيد دور المرأة في المنزل ووظيفتها الأساسية في رعاية الأسرة وما نحو ذلك.
 
لقد علا الخطاب المتنامي للتحرر الوطني في القرن العشرين، وهو أولوية عليا بالنسبة للمجتمعات التي تعاني من الاستعمار، فوق المسائل الأخرى، بما فها قضايا المرأة. وحرصت النساء على التأكيد على العلاقة الوثيقة بين التحرر من الاستعمار وتحرر المرأة، لذلك نراهن وقد لعبن دورا بارزا في حركات المقاومة والاستقلال الوطني. ثمّ بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الحركة النسائية في الخمسينات والستينات. فبعد استقلال الدول العربية كافة، ما خلا فلسطين، شهدنا انخفاضا كبيرا في نشاط المجموعات النسائية بشكل عام بالتوازي مع تعاظم دور الدولة-الأمة الحديثة. وقد سحبت الدولة الحديثة دور الريادة في حملة حقوق المرأة من المجتمع المدني، وغدت داعيات هذا الخطاب نساء مرتبطات ارتباطا وثيقا بمؤسسات الدولة ومجالات السياسة الوطنية، فيما يمكن أن نطلق عليه اسم "النسوية الوطنية". وقد وُجدت هذه الحركة النسوية في معظم الدول العربية (باستثناء تونس)، وركزت على حقوق المرأة في المجال العام مع تجاهل مكانها في الحيّز الخاص، ما أدى إلى ارتباك وخلق تناقضات في وضع المرأة في الدولة الحديثة.
 
واستفادت النساء العربيات، خاصة في مصر والمغرب العربي، من الانفتاح السياسي النسبي في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، والذي شهد تأسيس جمعيات نسائية عنيت بقضايا المرأة. وارتفع بشكل ملحوظ عدد الجمعيات والمنظمات النسائية في العالم العربي، الأمر الذي خلق نتائج إيجابية على مستوى التعددية. ووسّعت هذه الجمعيات والمجموعات نطاق عملها، فنشطت في مجالات متنوعة جدا، من بينها منظمات حقوق الإنسان، التي ركزت على الإصلاح القانوني. كما ارتفع أيضا عدد المنظمات البحثية التي تعمل على المفاهيم الثقافية لحقوق المرأة التي كانت عصيّة على التغيير. ووُجدت، على مستوى الخطاب، منظمات تبنت خطابا دينيا يدافع عن حقوق المرأة من داخل الأطر الدينية (الإسلامية أو المسيحية) إلى جانب المنظمات التي تتبنى الخطاب العلماني. وسوى هذه وتلك، برزت منظمات سعى أعضاؤها إلى توليف خطاب جديد غير خطاب الحداثة والنزاع المفترض بين التقليد والحداثة، أو بين ما هو ديني وما هو علماني. بيد أن الجميع كان يوافق على أن حقوق المرأة هي جزء لا يتجزأ من حقوق الأمة.
 
غير أن ارتفاع مستوى مشاركة المرأة المدنية لم يكن من دون تحديات وعقبات صاحبته، والتيقللت من قدرة النساء المنخرطات على تشكيل حركة اجتماعية والوصول إلى قطاعات كبيرة من النساء. ولعل أهم هذه العقبات هو غياب الديمقراطية في العالم العربي بشكل عام وسيطرة النخب الحاكمة عل مجالات العمل السياسي. واتخذت نسوية الدولة في القرن الحادي والعشرين شكلا جديدا يتمثل في إنشاء مجالس وطنية للمرأة. وقد أتى ذلك استجابة لظاهرة التغيرات التي حدثت فعولمت حقوق المرأة، وتمّ إنشاء آليات وطنية للتفاعل مع المنظمات الدولية وهيئات الأمم المتحدة. وأسفرت المؤتمرات والاجتماعات المستمرة عن إنشاء منظمة المرأة العربية تحت مظلة جامعة الدول العربية، ما خلق إمكانيات لدعم حقوق المرأة ووضع هذه المسألة في جداول أعمال الحكومات والعمل على تعديل بعض القوانين. ولكن على مستوى آخر، فإن قرب هذه المجالس – التي ترأس معظمَها أزواج المسؤولين في السلطة – من الأنظمة الحاكمة، أدى إلى استخدام قضية المرأة أداة لدعم سياسات معينة واستبعاد سياسات أخرى على أساس الاختلافات الأيديولوجية. وهكذا يتكرر ما حدث في الستينيات من القرن الماضي، عندما حدّد الحزب الحاكم شكل المشاركة المدنية للمرأة، فمعظم الحكومات العربية في القرن الحادي والعشرين تعيد المحاولة نفسها في تحديد شكل المشاركة المدنية للمرأة والتحدّث باسمها في المنتديات الإقليمية والدولية.
 
بيد أن العام 2011 غدا، مع الموجة الثورية التي اجتاحت العالم العربي وحركات الاحتجاج المستمرة التي تطالب بحقوق المواطنة والمساواة والعدالة، معلما بارزا في مجال حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق المرأة بشكل خاص. وكان للمرأة دور بارز في الحركة الثورية والعمل القانوني والتكتيكي فيها. وكان من نتاج الحراك الثوري في المنطقة العربية أن ابتُكِرت أطر جديدة للعمل في مجال حقوق الإنسان وأشكال خلاقة في تنظيم العمل، ما أنتج تحالفات جديدة وإمكانيات جديدة للعمل. والحال أن المراقبين والمحللين لا يتفقون جميعا على الحركة النسوية الناشئة؛ فمثَلها مثَل الحركات الاجتماعية والسياسية الأخرى، كانت الحركة النسوية ولا تزال غنية جدا وخلاقة. وها نحن اليوم نرى تغييرات كبرى على مستوى الخطاب الخاص حول مواضيع كان محرّما الخوض فيها. وها هي ذي الحركة النسوية تسير إلى امام.
 
الصورة: نساء مغربيات يرددن هتافات خلال مظاهرة في اليوم العالمي للمرأة، في الرباط، المغرب، آذار / مارس 2015 | © EPA