You are here

الأردن: أسبوع من الاحتجاجات يكشف تحولاً بنيوياً في معادلة السلطة

بدائل سياسات
TitleDownload
الأردن: أسبوع من الاحتجاجات يكشف تحولاً بنيوياً في معادلة السلطةلتحميل الورقة

مشهداً جديداً رسمه الحراك الأردني الشهر الماضي ضدّ قانون ضريبة الدخل.  لم يكن إسقاط حكومة الملقي وتكليف حكومة جديدة مناوَرة كسابقاتها.  أتى الحدث ليكرِّس تحوّلاً نوعيّاً هامّاً في علاقة الدولة بمختلف مكوِّناتها الاجتماعيّة، لا سيَّما بوسط الأعمال. لم يَعد هذا الأخير يكتفي بالتبعيّة السياسيّة ركيزةً لنفوذه، ففرض نفسه كمكوِّن قادر على تحريك الشارع الأردني حول ملفّات داخلية.  في ظل تشبث المكوِّنات التقليديّة بدورها داخل المنظومة الحكومية، تساؤلات عديدة تطرح نفسها حول الخيارات المفتوحة.

***

مقدمة

تمثّل موجة الاحتجاجات الشعبية في الأردن، في تفاصيلها وفي نتائجها، حدثاً استثنائياً في التاريخ الأردني ومتعدد الأبعاد، تتشابك فيه استعصاءات محليّة مع أخرى إقليمية، وتتفاعل في ظلّ تحوّلات كبرى في السياقات الدولية. ونظراً للتشابك الوثيق بين المستويات الثلاثة، وكي لا تكون هذه الورقة تكراراً لما يجري تداوله من قراءات تخلط السياقات الثلاثة بطريقة عشوائية؛ فإنه سيتمّ التركيز هنا على السياق المحلي فقط، وعلى فاعل حصيف في الحراك الذي أدّى إلى إسقاط حكومة هاني الملقي وتكليف حكومة جديدة يوم 4 حزيران/يونيو، ألا وهو مجتمع الأعمال في الأردن.

انطلقت الاحتجاجات يوم 30 أيار/مايو، بدعوة من مجلس النقابة للإضراب الجزئي، واستجابة إيجابية من الشارع الأردني على رعونة الحكومة وارتجالها لسياسات التكيف مع المتطلبات الاقتصادية والمالية والسياسية الدولية والإقليمية. وأتت محمولة على استجابة محلية ترفض المقاربات الحكومية للتكيُّف مع المتطلَّبات الدولية والإقليمية، وليس رفضاً لهذه المتطلبات أو تحدّياً لها. ولم يقدّم الحدث بمحرِّكاته الأساسية إشارات على وجود رافعة شعبية، أو رسمية تُؤسِّس للخروج على قواعد العلاقة بين الأردن والإقليم والعالم. فالتزم الصوت الشعبي والرسمي الملكي بالبحث عن مقاربات جديدة للاستجابة للسياقات الإقليمية والدولية. وليست المقالات وتصريحات بعض السياسيين والتي مفادها أن الحدث مدخل لتحويل تحالفات الأردن الدولية والإقليمية، سوى أمنيات.

 

حراك جديد يستدعي قراءة جديدة بعيداً عن الإسقاطات الإيديولوجية

تُصِرُّ بعض الأصوات الإيديولوجية، رغم إقرارها بمحدودية الإمكانات الأردنية، على خطأ منهجي قوامه الاعتقاد بأن الخيارات تُبنى في الفراغ ويتم إسقاطها على الواقع. وجاءت تلك الأصوات عالية، وصاخبة واحتدامية، متمسِّكة بالدعوة لخيارات وطنية أردنية يتم اشتقاقها من تصوّرات إيديولوجية للسياقات الدولية والإقليمية. وأبرز تلك الإسقاطات عنوان "صفقة القرن" الذي مثّل فزَّاعة وأعطى مبرِّراً في آنٍ معاً للخطاب الذي يريد أن يدخل اللحظة السياسية محمولاً على عربة الإيديولوجيا.

فالصوت المحافظ[1] الذي يُعبِّر عن المُكوِّن البيروقراطي في الدولة، والذي ما زال مقتنعاً بالحضور الفعّال للقوى التي تعبّر عن نفسها بالإيديولوجيا؛ طالب بقبول ما تقدِّمه الحكومة من أجل الصمود في وجه "صفقة القرن". وأتى هذا الموقف على لسان وزير المالية في الحكومة المعزولة عمر ملحس، حيث ذكر أنه في حال لم تُقبل خطّة الحكومة فلن تكون هناك رواتب في نهاية شهر حزيران/يونيو.

كما ظهرت أصوات أخرى، عالية وصاخبة، لا وزن تنظيمي أو تمثيلي واضح لها على الأرض، من تيار وطني أبرز وجوهه النائب السابق ليث شبيلات، لتنادي بتغيير التحالفات الإقليمية والدولية، احتجاجاً على استجابة حكومة الملقي للسياقات الإقليمية والدولية، فطالبت بالذهاب نحو سوريا وإيران وتركيا وروسيا والصين. وبدا أن ثمّة تناغماً وترتيباً ما بين حكومة الملقي الساعية إلى تمرير سياساتها تحت مظلّة الخوف من "صفقة القرن"، والأصوات المنادية بتغيير التحالفات الإقليمية والدولية للأردن من أجل التصدي لهذه الصفقة.

إلّا أن الطرفين، في المُحصِّلة، تجاهلا الأبواب التي فتحتها الاحتجاجات، والتي من المتوقع أن تؤدّي إلى مراجعة المقاربات وسبل العمل السياسي في المعادلة المحلية. فخضوع الحكومة لبرنامج التصحيح الاقتصادي بمضامينه الاجتماعية والسياسية لم يكن مقبولاً من القوى التي صنعت الحدث، وكذلك فإنّ تحويل التحالفات الدولية والإقليمية للأردن لم يكن ضمن مطالبها. فالقوى المُحرِّكة للشارع الأردني مسكونة بإمكانية التوصّل إلى استجابة حكومية أردنية جديدة للسياقات الدولية والإقليمية، تكون أكثر عقلانية، وأقلّ فساداً. فجاءت الشعارات والهتافات مُتعلِّقة بمطالب واضحة، أغلبها اقتصادي، متمثل بشعار حملة "معناش"، وبعضها سياسي أعاد إنتاج المطالب الديمقراطية، مع تركيز على الفساد، باعتباره الآفة التي يجب التخلّص منها كي تتمكن الدولة من تلبية المطالب الاقتصادية للمواطنين.

 

قانون الضريبة، ضوء كاشف لتحوّل بنيوي في علاقات السلطة:

ظهر الاستعصاء المحلي في قانون ضريبة الدخل الذي طرحته حكومة الملقي، ليكشف التحوّل السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة والمجتمع الأردنيين. بدأ الصوت الاحتجاجي منذ أكثر من شهرين في إطار المنصّات التقليدية التي نظّمت حوار مجتمع الأعمال مع السلطة التنفيذية. وكان أبرزها غرفة التجارة التي قدّمت مشروعاً أو مقاربة جديدة لقانون ضريبة الدخل، حيث تعالت أصوات رجال الأعمال بالاحتجاج على قانون الضريبة. وتجلّى ذلك في مقابلات وبرامج تلفزيونية، وكانت أبرز منصّات الاحتجاج محطة "رؤيا" التلفزيونية التي يملكها رجل الأعمال الأردني المعروف ميشيل الصايغ ويديرها أحد أبنائه. وبقي رئيس الحكومة المعزولة هاني الملقي يدافع بسذاجة عن سياساته الاقتصادية وقانون الضريبة.

وزاد اللغط الذي بدا متعمّداً في المعلومات التي بثّتها المنصّات الإعلامية التابعة للحكومة، من قلق مجتمع الأعمال. حيث ذكرت بعض المغالطات أن قانون الضريبة بصيغته المطروحة هو مطلب لصندوق النقد الدولي، وهذا ما سارع صندوق النقد الدولي لنفيه، كما ذكرت أنه أتى بإرادة ملكية وهو ما لم يتأكّد بأية إشارة، أو أنه لا يمثّل عبئاً إضافياً على الطبقات الوسطى، وهذا لا يستقيم في تحليل مالي واقتصادي بديهي وسليم. كما أن الحكومة لوّحت بمكافأة رجال الأعمال في حال قبولهم قانون الضريبة الجديد، من خلال إعفائهم من ضرائب السنوات السابقة، وهو بمثابة رشوة تضمَّنها نص القانون الذي يعفي كل من لم يقدّم إقرارات ضريبية صحيحة عن السنوات الماضية.

يؤكّد هذا المشهد أن الحكومة اعتمدت التفكير بقانون الضريبة من وجهة نظر المحاسِب، دون الأخذ بالاعتبار التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويجدر في هذا الصدد التذكير أن التاريخ الأردني مشحون بقصص الضرائب العثمانية في مطلع القرن العشرين، وبالذات بانفراد جباة ضرائب الباب العالي بتقدير العبء الضريبي على الفلاحين والتجار في فترة نهاية القرن التاسع عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى. وكانت أولى مكافآت الحكم الجديد تخفيف العبء الضريبي. كما أشعل قانون ضريبة النفوس وضريبة المواشي، شرارة أولى الثورات في تاريخ الأردن الحديث ضد حكم الملك عبد الله الأول عام 1924.

لا يكمن الجزء الأخطر من القانون في معدّلات الضريبة ونسبها، بقدر ما يكمن في طريقة احتسابها وتحصيلها. فالصلاحيات الممنوحة لجهاز الضريبة أثارت ذكريات الجُبَاة العثمانيين الذين كانوا يبطشون بالناس، كما كانت القوات العثمانية جاهزة للقدوم وتأديب أية قرية تمتنع عن تسليم الضرائب التي يفرضها الجباة. واستعملت حكومة هاني الملقي حجة إنهاء التهرّب من ضريبة الدخل، وهي المسألة المزمنة في الأردن، لتمنح جهاز التحصيل الضريبي صلاحيات استثنائية تجعل من رجال الأعمال فرائس سهلة له، دون إشارة إلى آلية تحمي رجال الأعمال من الفساد الذي ينخر هذا الجهاز. إذ إن للتهرّب الضريبي ركنين أساسيين؛ الأول هو فساد جهاز التحصيل الضريبي، والثاني هو وجود رجال أعمال فاسدين. فلولا فساد جهاز الضريبة عينه، لكان التهرّب الضريبي أمراً صعباً. ويبدو أن القانون الجديد يعطي غطاء قانونياً لمنظومة الفساد عينها ويغذّيها.

مثَّل هذا الجانب العنصر الأكثر استفزازاً لمجتمع الأعمال، وأعاد الفساد إلى واجهة الجدل العامّ. ويشير أحد رجال الأعمال بوضوح إلى صلاحيات مدير الضريبة في تقدير العبء الضريبي على أي مُكلَّف، ويقول: "سوف نعمل بعد اليوم لنصرف على فساد جهاز الضريبة، وعلى فساد بقية أجهزة الدولة. رجل الأعمال الفاسد يدفع لموظّف الضريبة الفاسد حتى يُقلِّل ما يدفعه من ضريبة، ولكننا بعد اليوم سوف ندفع لموظف الضريبة الفاسد حتى لا تُفرَض علينا ضرائب لا أساس موضوعي لها".

ورغم الحوارات المتكرِّرة ومطالبات مجتمع الأعمال؛ تمسَّكت حكومة الدكتور هاني الملقي بعناد مريب بموقفها، وما انفكّت تدافع عن القانون الجديد بلغة رثّة دون مضمون، الأمر الذي اعتبره مجتمع الأعمال إهانة مستمرة. وكان واضحاً أن الحكومة تتعامل مع احتجاجات مجتمع الأعمال بالازدراء نفسه الذي تتعامل به مع احتجاجات الكتل الشعبية. مما دفع أحد رجال الأعمال للقول بصراحة: "من الممكن أن نتحمّل الفساد، ولكن فساد وكذب، هذا غير مُحتمَل". وأعلن أنه سيصفّي أعماله في الأردن ويبحث عن دولة أو مكان آخر لاستثماراته؛ علماً أن تركيا بدأت تغوي رجال الأعمال الأردنيين وتستقطبهم، والقانون الأردني يمكِّن رجال الأعمال من الانتقال إلى دولة أخرى. وثمّة من استبدّ به الخوف من أن الحكومة قد تُلغي إمكانية نقل رجال الأعمال أعمالهم إلى دولة أخرى.

ومردُّ هذا الخوف هو فوضى التشريع، وغياب الضوابط لحماية المواطنين والمستثمرين من عدم الاستقرار التشريعي. لا سيّما وأن المؤسّسة البرلمانية ضعيفة، وغالباً ما يُشار لمجلس النواب الأردني في وسائط التواصل الاجتماعي بعبارة "مجلس النوّام"، وذلك بعد تداول صور بعض النوّاب وهم نائمون أثناء الجلسات الرسمية. والحال هذه، لا يستطيع مجتمع الأعمال الرهان على المؤسّسة التشريعية لتقديم ضمانات عقلانية لتشريعاتها، ولكبح جماح المؤسّسة التنفيذية، وحماية المستثمرين من فساد الأجهزة التنفيذية. كما أن تقمّص مجلس النواب لمنطق السلطة التنفيذية الراهن أفقده الثقة والمصداقية، إذ توجّه رئيس مجلس النوّاب إلى أحد المواطنين في محاولة لإسكاته، بعبارة مثَّلت قمة لا عقلانية الدولة، حيث قال: "مُش شغلك يا مواطن". وكان لانتشار هذه العبارة صدى خاصّ عكس الخوف من تطويع المؤسّسة التشريعية، وفقدانها -مع الحكومة- للحصافة التي تدفع مجتمع الأعمال للثقة بهما، أو بأيّ منهما. إذ تميّزت الحكومات الأردنية ولفترات طويلة بأنها صوت العقل، حيث كانت نخبة الحكم، من وزراء وغيرهم، من الأكثر تعليماً وثقافة، مقارنة مع الوسط العامّ. ولكن هذا قد فُقِد، ولا يشكّل مجلس النوّاب ضمانة لحماية المجتمع من رعونة الحكومة.

ويمكن القول إن النتيجة التي توصّل إليها مجتمع الأعمال، وهي ضرورة البحث عن وسائل للدفاع عن مصالحه لتجنّب دفع ضريبة عالية وتمويل فساد الأجهزة التنفيذية في الوقت نفسه؛ إنما قد جاءت استجابة لتغوّل الحكومة، واستفزازية خطابها من خلال تصريحات أعضائها أو الإعلام الموالي لها، بالإضافة إلى ضعف مجلس النوّاب، وغياب الملك عن الحوار بين مجتمع الأعمال والحكومة حول قانون الضريبة.

 

الملك يتدخّل بعد طول ترقّب

إن لجوء مجتمع الأعمال إلى الشارع ومنصّات العمل الشعبي ممثَّلة بغرفة التجارة أولاً، ومن ثم النقابات هو الذي جعل من الحدث نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الأردن، على غرار أحداث عام 1989، بعد برنامج التصحيح الاقتصادي الأول لحكومة زيد الرفاعي الذي أقرّ تخفيض قيمة صرف الدينار، والتي أنهت شكلاً قديماً من علاقة الدولة/النظام بأحد مكوّنات المجتمع، ألا وهو مجتمع الأطراف والريف والبادية. كما فتحت أحداث معان عام 1989 الباب أمام ضرورة إعادة تنظيم العلاقة بين النظام وتلك القاعدة من خلال عملية سياسية جديدة، بدأت بعزل حكومة زيد الرفاعي، والدعوة لانتخابات برلمانية، ثم التوصّل إلى ميثاق وطني.

إن ما جرى خلال الأسبوع الأخير من شهر أيار/مايو والأسبوع الأول من شهر حزيران/يونيو لا يقلّ أهميّة وعمقاً عن أحداث 1989، وهو يكرِّس انتهاء شكل العلاقة القديم بين الدولة ومجتمع الأعمال، وإصرار الأخير على ركائز جديدة لهذه العلاقة.

برزت النقابات المهنية -وهي المنصّة الاجتماعية السياسية الأقرب لمجتمع الأعمال- كواجهة للتصدي لقانون الضريبة. وعلى مدى أسبوعين من التصعيد من قبل النقابات واجهت التعنُّت الحكومي، وتجلَّت الحاجة بوضوح إلى فرض نمط جديد من العلاقة بين النظام الأردني ومجتمع الأعمال. وبحكم غياب منصّة حوار سياسي فعال، كان من الضروري لمجتمع الأعمال أن يستعين بالشارع، ومن خلال النقابات. بدا الملك مترقِّباً لما يجري في هذه المرحلة، ورافضاً أن يكون طرفاً في الاستعصاء بين الحكومة ومجتمع الأعمال، فأي حوار مباشر له مع رجال الأعمال سيُنتِج آثاراً سلبية، كان عليه تجنّبها بالضرورة.

ويمكن تفسير موقف الملك وابتعاده عن الدخول في الحوار بين حكومة الملقي ومجتمع الأعمال، بعدم وضوح خطوط الاشتباك والحوار بينهما. فهو يغامر بالكثير إن تدخّل لفض اشتباك مرتبك الخطوط بين حكومته وأيّ مكوّن اجتماعي. فمن جهة، تحوّلت الحكومة إلى ألعوبة بيد الجهاز البيروقراطي الفاسد، بحكم غياب سياق اجتماعي واضح لرئيسها وسطحية منظورها السياسي وركاكة خطابها. وكانت النتيجة أنها أغلقت منذ فترة منافذ تدخُّل الملك. واستنجد رأس الهرم نفسه -لمواجهة تدنّي مستوى الأداء الحكومي- بشباب الجامعات في أوائل العام وطالبهم بالضغط من أسفل ليتمكّن هو من الضغط من أعلى، وذلك خلال لقاء جمعه مع عدد من الطلاب.

ومن جهة أخرى، فإن قدرة مجتمع الأعمال على الدفع بالملك للتدخّل ضعيفة أصلاً، فهو لا يمتلك دوراً سياسياً واضحاً، لا بل وتم بثّ الغموض والشكوك لإغراق بعض رجال الأعمال الناشطين سياسياً أو السياسيين القريبين من مجتمع الأعمال. إضافة إلى أن قواعد المحافظين في الريف والأطراف تنظر بريبة وتوجُّس إلى الدور السياسي لرجال الأعمال.

ومن هنا بات اللجوء للشارع الخيار الوحيد أمام مجتمع الأعمال، لا سيّما وأن الحكومة، في ذروة انسداد آفاق حوارها معه؛ قامت برفع أسعار المحروقات. فتوسَّعت الكتلة الاجتماعية التي تعترض على سياسات الحكومة الاقتصادية، وبدأ الشارع يتحرّك بفاعلية الأزمة، وتحوّل إلى منصّة للشدّ والتجاذب السياسي. في تلك اللحظة بالذات تدخّل الملك حيث ألغى قرار الحكومة برفع أسعار المحروقات، ووضعها أمام خيار الاستقالة بعد أن استدعى رئيسها. ولم تُنهِ هذه الإجراءات الأزمةَ، إذ بقي الشارع ملتهباً، مما دفع الكاتب البريطاني ديفيد هيرست للتساؤل إن كان الربيع العربي ما زال حيّاً في الأردن. ثم تمَّ تكليف أحد وزراء الحكومة القريبين من مجتمع الأعمال وهو الدكتور عمر الرزاز، الخبير الاقتصادي وخرّيج جامعة أمريكية، وسبق له العمل في البنك الدولي، وعمل أيضاً رئيساً لمجلس إدارة البنك الأهلي الأردني، قبل دخوله حكومة الملقي.

 

ليلة 6 حزيران/يونيو والخيارات المفتوحة

في سياق احتدام الحوار في الشارع قام رئيس مجلس الأعيان، وهو رئيس وزراء سابق، ينتمي إلى التيار التقليدي المحافظ في الدولة، بالإعلان أن من "حق المواطنين الاعتصام والاحتجاج". ويشكل هذا الإعلان دعوة صريحة لتوسيع نطاق الشارع إلى ما هو أكثر من مجرد منصّة تجاذب بين مجتمع الأعمال وقاعدته المدينية، والحكومة. حيث بدأ يظهر أن نجاح مجتمع الأعمال في استمالة الملك، قد يهمّش التيار التقليدي المحافظ في الدولة.

اختلط الشارع، وبدأت شعاراته تتغير ولغته تتداخل، وسقوف مطالبه ترتفع، حيث بدأ يتحوّل من منصّة تجاذب إلى ميدان حشد مفتوح على العديد من السيناريوهات والخيارات. وتمسّك الملك بخطواته الحذرة، وجاء كتاب تكليفه للحكومة الجديدة، متمثِّلاً بالدعوة للحوار. ويعني ذلك ضمناً أنه تلقّى الرسالة الأساسية وقوامها أن العلاقة القديمة بين الدولة ومجتمع الأعمال قد انتهت، وأنه لا بدّ من صياغة علاقة جديدة. ولكي تحجز بعض الأطراف موقعها على طاولة الحوار؛ تداعت العديد من العناصر السياسية والاجتماعية لتعبّر عن نفسها في ليلة الأربعاء 6 حزيران/يونيو 2018. وبدأ المشهد يختلط، مُنذِراً بمرحلة جديدة في الأردن، قوامها انتقال مجتمع الأعمال من عنصرٍ ملحق بالنظام والحكومة إلى مُكوّن قادر على فرض نفسه على المشهد السياسي.

دفع ذلك كلّه التيار التقليدي المحافظ ليقدّم نفسه ليلة 6 حزيران/يونيو على الدوّار الرابع، كما في بعض المحافظات، من خلال رسالة واضحة قوامها أن أي تعديل للوزن والدور السياسي لمجتمع الأعمال وقاعدته الاجتماعية المدينية يجب أن يأخذ بالاعتبار وجود التيار التقليدي المحافظ ووزنه. وجاءت بعض العشائر، للمشاركة في اعتصام 6 حزيران/يونيو، رافعة يافطات عشائرية، وحاولت الدخول لساحة الاعتصام بطريقة استعراضية تكاد تكون استفزازية.

إشارات كثيرة تدلّ على أن رأس الهرم، الذي لم يخلُ خطابه من إشارات إلى السياق الإقليمي والدولي للأزمة السياسية والاقتصادية الراهنة في الاردن، يصرُّ على استثمار الفرصة لإعادة تأثيث البناء السياسي الاجتماعي. ثمة نهج جديد قرّر الملك اعتماده، بما فيه -ربما- تجديد شكل العلاقة بين المكوِّنات الاجتماعية المختلفة وقواعدها، إنما في سياق محلّي صرف، بحيث يحتفظ بمفاتيح العلاقة مع الإقليم والعالم.

وهنا تُطرح الأسئلة الخطيرة نفسها: هل يمكن إدخال مجتمع الأعمال والقاعدة الاجتماعية المدينية في معادلة السلطة والموارد الجديدة دون أن يمثّل ذلك استفزازاً للمكوّن التقليدي المُحافِظ ودون أن يفقد امتيازاته وبعضاً من نصيبه في معادلة السلطة؟ ليس الجواب يسيراً، إذ لا بدّ من إحداث جراحات وتطوير بنية هذا التيار كي يتمكّن من دخول المعادلة الجديدة. فهذا التيار -الذي احتكر على مدى عقود موقعاً مميزاً في معادلة السلطة- أصبح عاجزاً عن المحافظة على امتيازاته الحصرية، ولا بدّ له من القبول بقواعد جديدة للعمل السياسي، وخسارة بعض مكوِّناته وإعادة تأهيل الأخرى. فالانسجام مع المستحدثات يفترض ترشيقه والتخلّص من الزوائد التي تمنع تطوّره، وتنمية كفاءته.

ثمة سؤال آخر: هل ستجري عملية تطوير معادلة السلطة والموارد بإدخال مكوِّن مجتمع الأعمال، وبضغط واضح منه، بشكل سلس وآمن، وبالحد الأدنى من هوامش عدم اليقين؟ من هذا التساؤل تندرج عدة ملاحظات. واقع الأمر أن التيار التقليدي المحافظ سيدفع ثمن سياسات حكومة الملقي. ولكن أيّ من مكوّنات هذا التيار ستتم التضحية به؟ هل ستتم التضحية بالمكوّن السياسي الذي دأب على تنفيذ تعليمات جهات غير مُعلَنة وقراراتها دون أن تُتاح الفرصة لمجلس الوزراء لمناقشة هذه القرارات؟ كما اعترف وزير مالية حكومة قانون الضريبة عمر ملحس. وهو المكوّن الذي بدأ يُتّهم علناً بأنه ورَّط كلّ التيار المحافظ وتعبيراته السياسية.

أم ستتم التضحية بالمكوِّن العصبوي العشائري الذي برز ليلة 6 حزيران/يونيو على جسر عبدون في طريقه إلى ساحة الاعتصام على الدوّار الرابع، في محاولة واضحة لإحراج رئيس مجلس الأعيان، وجرِّه ليكون هو -وما يمثّله- الضحية الأقرب؟ بحيث تكون التضحية بهذا المكوِّن إشارة إلى استعداد التيار المحافظ للتطوّر؟

ما إن يبدأ الحوار حتى تتبدّى معالم توزيع الأطراف على المائدة. ولكن تجربة الحوار في الأردن، تثبت أن الجلوس إلى المائدة ليست ضمانة للحفاظ على حصّة أو نصيب في النتائج والثمار. إذ إن الحوار رهن الإدارة الملكية، وستبقى المشاركة به مرهونة برضى الملك وموافقته على الآليات والمضامين.

إن المعضلة التي ستجعل من الحوار الذي دعا إليه الملك ملهاة، هو أن الطيف السياسي كلّه يعيد تموضعه السياسي من المشروع القديم المتجدّد في الأردن، وهو برنامج الإصلاح الاقتصادي والسياسي في الأردن، كما تمّ تقديمه من قبل المكوّن الليبرالي مُمثَّلاً ببعض الوزراء والنافذين المُقرَّبين من الملك، ورمز هذا المكوّن الوزير السابق باسم عوض الله. فبقيّة مكوِّنات الطيف السياسي احترفت الاعتراض وليس فيها من يمتلك برنامجاً بديلاً. فالحوار سيكون عملية مساومة بين تيار يمتلك برنامجاً، وكتل سياسية واجتماعية اعتراضية. وإن قدرة أي تيار على تقديم برنامج بديل، هي فقط من سينقذ الحوار القادم، من أن يكون مجرّد مساومة لإنهاء احتكار التيّار التقليدي المحافظ للسلطة.

 


[1] المُكوِّن التقليدي المحافظ يشمل التحالف التقليدي بين العشائر البدوية (التي تحوَّلت اقتصادياً، ولكنها حافظت على سياقها العشائري سياسياً)، وكتلة ريفية دخلت السلطة من خلال التقدّم بمؤسسات الدولة، إضافة إلى عائلات التوريث السياسي أو الأرستقراطية السياسية مثل رئيس الوزراء هاني الملقي، وربما من أبرز رموزه بعض النوّاب المزمنين مثل عبد الكريم الدغمي، إضافة إلى رئيس مجلس النوّاب، ورئيس مجلس الأعيان. والمشترك بين أجزاء هذا المُكوِّن هو صعودهم لهرم السلطة معتمدين على رضى الملك، أو من خلال انتخابات صورية. حتى أن ثمّة طرفة تقول: سألوا رئيس وزراء سابق، ما رأيك بانتخابات ملكة جمال الأردن؟ فأجاب: لو تمّ تعيينها لكان هذا أحسن.

 

الصورة: أردنيون خلال احتجاجات ضد قانون ضريبة الدخل في عمان، الأردن - حزيران/يونيو 2018 |  ©  EPA.