You are here

حديث الإقصاء والإدماج

أوراق بحثية
 EGYPT PRESIDENTIAL HANDOVER AFTERMATH

منذ عزل الرئيس محمد مرسي من منصبه في 3 تموز/يوليو الماضي، كثر الحديث داخل مصر وخارجها عن أهمية إشراك الإخوان في الترتيبات السياسية الجديدة وتجنب إقصائهم من المشهد. كما تواترت التحذيرات من خطورة تبني السلطة الجديدة مقاربة انتقامية قمعية تجاه الإخوان لتصفية الحسابات، من شأنها أن تدخل العملية السياسية في نفق مظلم.

غير أن بعض هذه التصريحات تتعامل أحيانا مع المشهد وكأن الأمور قد حسمت والترتيبات السياسية الجديدة قد استقرت وأن الإخوان قد سلموا بالأمر الواقع وأصبحوا في موقع المفعول به/المهزوم الذي يجب على "الفاعلين" أو "المنتصرين" طمأنته وعدم إقصاءه.

هذه في رأيي قراءة قد تكون متسرعة بعض الشيء. صحيح أن الإخوان وحشودهم لم يتمكنوا من منع عزل مرسي أو اعتقال قيادات عليا في الجماعة والحزب، لكن ذلك لا يعني أن الجماعة قد فقدت القدرة على الفعل وسلمت بالمعادلة الجديدة. والمتابع لردود فعل الجماعة وتصعيدها في الشارع وتصلب خطابها وتصريحاتها منذ سقوط مرسي يستنتج أن هذه التحركات لا تهدف إلى مراكمة أوراق ضغط تستخدمها الجماعة خلال المفاوضات لضمان موقعها في المشهد الجديد، بل تراهن في المقام الأول على قلب الطاولة وتفجير الترتيبات السياسية الهشة التي تلت سقوط مرسي أو على الأقل عرقلتها وتعطيلها. ما زال الإخوان إذن يتمتعون بقدرة كبيرة على الفعل والتعطيل، وبالتالي فإن مدى دمج/مشاركة الإخوان في المشهد السياسي يتوقف بشكل كبير على الإخوان أنفسهم وليس فقط على نوايا وأفعال من في يده السلطة الآن.

الملاحظة الثانية بخصوص التصريحات الكثيرة حول دمج الإخوان وعدم إقصائهم هي أن بعض هذه التصريحات تختزل الصراع الدائر في شقه السياسي وتغفل الأبعاد المجتمعية الأوسع. فالمظاهرات الكبيرة التي خرجت في 30 حزيران/يونيو لم تقتصر فقط على القوى السياسية بل شملت قطاعات واسعة من المجتمع تطالب بسقوط مرسي وترفض هيمنة الإخوان. كما أن تنظيم الإخوان المنتشر في معظم أنحاء البلاد أصبح ينظر إليه من قبل شرائح متزايدة في المجتمع على أنه "طائفة" مغلقة منعزلة عن بقية الشعب. وبالتالي، فإن الإخوان لا يواجهون خطر العزل أو الإقصاء السياسي فقط، بل أيضا خطر العزل المجتمعي/الشعبي. وهنا أيضا، فإن الإخوان لديهم قدرة كبيرة على الفعل ولم يتحولوا تماما إلى مفعول به عديم الحيلة.

صحيح أن هناك حملة شعواء في الكثير من وسائل الإعلام تحرض على الإخوان وتسعي لشيطنتهم وعزلهم وتأليب الرأي العام عليهم، لكن معالجة الإخوان للأزمة الراهنة وخطابهم وتصريحاتهم من على منصة "رابعة العدوية" تساهم بشكل كبير في ترسيخ الصورة السلبية عنهم لدى قطاعات واسعة من المجتمع وتزيد من خطر عزلهم شعبيا. فخطاب الإخوان لا يرى فيما حدث في 30 حزيران/يونيو سوى الجانب الانقلابي (رسالة محمود غزلان للسيسي تقدم مثالا لهذا الخطاب): مؤامرات وتواطؤ من قبل أجهزة الدولة والمعارضة السياسية "الفاشلة" ضدهم. صحيح أن هناك شواهد عدة تشير فعلا إلى حدوث شكل من أشكال "التواطؤ" أو التنسيق بين قطاعات في جهاز الدولة وبعض القوى السياسية ضد حكم الإخوان، إلا أنه لا يمكن بحال اختزال ما وقع في 30 حزيران/يونيو في هذا الجزء وتجاهل وإغفال النقطة المركزية فيما حدث ذلك اليوم كما يفعل خطاب الإخوان. فخطابهم الحالي يكاد يغفل تماما الغضب والرفض الشعبي واسع النطاق ضد الإخوان ولا يعترف بتراكم الاحتقان وتصاعد الاستياء العام تجاه حكم مرسي وانخفاض شعبيته على مدار الشهور الفائتة. كما أن تحركات الإخوان التصعيدية على الأرض من شأنها زيادة الرفض الشعبي تجاههم وتحوله إلى مواجهات عنيفة في الشارع. وقد بدأت فعلا بوادر هذه المناوشات أو الصدامات الأهلية بين الإخوان وقطاعات من المجتمع في عدة محافظات. وهنا أيضا، يصر خطاب الإخوان على تصوير هذه المواجهات على أنها اعتداءات من قبل بلطجية وفلول نظام مبارك ضد الإخوان ومؤيدي مرسي ويغفل تماما وقائع العنف الأخرى التي يظهر فيها طابع الصدام الأهلي.

إن مسألة إقصاء أو دمج الإخوان تعتمد بشكل كبير على موقف الأجهزة والقوى والأحزاب المنخرطة في الترتيبات السياسية الجديدة والإجراءات التي تتبناها السلطة الحالية تجاه الإخوان. لكنها تتوقف أيضا على حركة الإخوان ومواقفهم وطريقة إدارتهم للأزمة الحالية. إن استمرار الإخوان في نهج التصعيد الحالي والإصرار على عدم فهم كافة أبعاد وأوجه ما حصل يوم 30 حزيران/يونيو وتجاهل حجم السخط الشعبي تجاههم ينذر ليس فقط بعزل الإخوان سياسيا ومجتمعيا، بل وباندلاع صدامات أهلية عنيفة تؤدي إلى استحضار الدولة الأمنية وإدخال العملية السياسية كلها في نفق مظلم.